الصناعة الإقليمية
يعني تفويض أموال الابتكار المحلية إلى رؤساء البلديات أن بريطانيا تعيد "محرك النمو" إلى المناطق من جديد
تخطط الحكومة البريطانية لمنح رؤساء البلديات في المناطق مزيدًا من الصلاحيات على صندوق شراكات الابتكار المحلية، وهذا ليس مجرد تعديل في هيكل إدارة التمويل، بل يعكس أيضًا أن الاستراتيجية الصناعية البريطانية تنتقل من التوزيع المركزي إلى نموذج تدفعه المناطق للابتكار وتحديث الصناعة.
إن إيداع أموال الابتكار المحلية لدى رؤساء البلديات يعني أن بريطانيا تعيد «محرك النمو» إلى المناطق
تستعد الحكومة البريطانية لمنح رؤساء البلديات في المناطق مزيدًا من صلاحيات اتخاذ القرار بشأن صندوق شراكات الابتكار المحلية (Local Innovation Partnerships Fund)، وهو ترتيب يبدو ظاهريًا مجرد تغيير في طريقة إدارة التمويل، لكنه في جوهره يشير إلى تحوّل مهم في السياسة الصناعية البريطانية: فالابتكار لم يعد يُنظَّم حصريًا من الحكومة المركزية، بل بات يُنظر إليه بشكل متزايد بوصفه نتيجة تتشكل من منظومة الصناعة المحلية وشبكات الجامعات وبيئات الشركات معًا.
من منطقة مدينة ليفربول، ويست يوركشاير، ومانشستر الكبرى، إلى لندن الكبرى، سيتمكن رؤساء البلديات المنتخبون في هذه المناطق من اتخاذ قرارات أكثر مباشرة بشأن كيفية استخدام مليارات الجنيهات الإسترلينية من أموال البحث والتطوير محليًا. وبالنسبة إلى بريطانيا، فهذا ليس مجرد تفويض مالي بسيط، بل هو إدماج لمنطق مفاده أن «من يعرف الفرص الصناعية على نحو أفضل، ينبغي أن يكون هو الأقدر على تحديد وجهة التمويل» ضمن استراتيجية النمو الوطنية.
تكمن أهمية هذا النوع من التحولات السياسية، أولًا، لا في حجم الأموال ذاته، بل في تغيّر آلية تخصيص الموارد. فبريطانيا تواجه منذ فترة طويلة مشكلة هيكلية: القدرات الابتكارية غير متوازنة على مستوى البلاد، كما أن موارد البحث، وكثافة الشركات، وتوافر رأس المال، والوظائف عالية المهارة، تتركز غالبًا في عدد محدود من المدن المحورية. وإذا ما جرى نشر جميع أموال الابتكار مركزيًا، فإن المشاريع كثيرًا ما تقع في فخ «التوزيع المتساوي» أو «الابتعاد عن الصناعة»؛ أما نقل قرار التمويل إلى المستوى المحلي فيعني أن السياسة بدأت تعترف بأن المزايا الصناعية تختلف من منطقة إلى أخرى، وأن مسارات تحويل الابتكار لا ينبغي أن تكون متطابقة بالكامل.
كما أن تحديد هذه الصيغة للصندوق يبيّن أن الحكومة البريطانية تحاول ربط الاستثمار البحثي بالنتائج الصناعية بصورة أوثق. ووفقًا للترتيبات الحالية، يهدف هذا الصندوق إلى دعم تطوير صناعات جديدة، وخلق فرص عمل، ومساندة التقنيات الموجهة للمستقبل. وبعبارة أخرى، لم يعد البحث والتطوير مجرد أداة للإنتاج الأكاديمي أو لتراكم المعرفة على المدى الطويل، بل بات مطلوبًا منه أن يدخل بصورة أسرع إلى مراحل التسويق وإنتاج السلع والتصنيع الصناعي. وبالنسبة إلى واضعي السياسات، فإن هذا التحول يعني أن معيار تقييم سياسة الابتكار ينتقل من «كم أنفقنا؟» إلى «هل أفضى ذلك إلى بناء قدرة صناعية جديدة؟».
وفي مثال منطقة مدينة ليفربول، حصل مشروعان يقودهما جامعة ليفربول على تمويل إقليمي، ما يكشف عن استخدام نموذجي لأموال الابتكار المحلية: أي بناء مسارات أوضح للتسويق التجاري انطلاقًا من المزايا البحثية القائمة، بحيث تتعزز الصلة بين أبحاث الجامعات وتطبيقات الشركات والتوظيف الإقليمي.
يركز أحد المشروعين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في كيمياء المواد، بهدف مباشر يتمثل في رفع الإنتاجية وتعزيز نمو الشركات؛ أما المشروع الآخر فيخطط لإنشاء مركز ابتكار مخصص للمواد المضادة للبكتيريا والفيروسات والأغشية الحيوية، مع التركيز على البحث والتطوير السريع المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وتبعث هذه الاتجاهات مجتمعة رسالة واضحة: إن سياسة الابتكار المحلية في بريطانيا تولي اهتمامًا متزايدًا لـ«التقنيات القابلة للتطبيق»، لا لمجرد وجود الأبحاث المتقدمة.من منظور البحث الصناعي، يتوافق هذا النموذج بدرجة كبيرة مع منطق الاستراتيجية الصناعية الحديثة الراهنة في بريطانيا. وما يحدد بالفعل القدرة التنافسية للصناعة التحويلية وقطاع الخدمات ذات القيمة المضافة العالية ليس مجرد اختراق بحثي منفرد، بل ما إذا كانت المنطقة قد شكّلت سلسلة متكاملة تمتد من البحث الأساسي، مرورًا بالتطوير التطبيقي والتحقق التجريبي، وصولًا إلى النشر على نطاق واسع. وعندما تستطيع الحكومات المحلية والجامعات والشركات ومنصات التمويل أن تتعاون حول الاتجاه الصناعي نفسه، يصبح من المرجح أكثر تقصير زمن تحويل التكنولوجيا، وخفض تكلفة انتشار الابتكار، وتعزيز قدرة الشركات المحلية على استيعاب التقنيات الجديدة.
كما أن تصريح عمدة غرب يوركشاير، تريسي برابين، يكشف من زاوية أخرى عن القصد الاستراتيجي لهذه السياسة. فقد شددت على أن غرب يوركشاير تمتلك أساسًا قويًا في مجالات الخدمات المالية، وتكنولوجيا الصحة، والتصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة، وأن امتلاك المنطقة لتمويل الابتكار العام محليًا يتيح توجيه الاستثمارات نحو المسارات الأكثر احتمالًا لخلق وظائف جيدة وتحقيق النمو الاقتصادي.
والأهمية الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في الموقف السياسي، بل في الحكم على البنية الصناعية: إذ لا يمكن للنمو الإقليمي في بريطانيا أن يعتمد فقط على سياسات التوزيع التقليدية، بل يحتاج إلى تعزيز كثافة الابتكار حول التجمعات الصناعية القائمة بالفعل. وبعبارة أخرى، انتقل التركيز السياسي من “النشر المتوازن على نطاق واسع” إلى “تنمية النقاط المحورية”. فإذا كانت منطقة ما تمتلك بالفعل بذورًا لصناعة متقدمة أو طاقة نظيفة أو تقنيات صحية، فإن دور تمويل الابتكار لا يقتصر على دعم مشاريع فردية، بل يساعدها على تكوين أثر تجميعي أقوى وجاذبية أكبر للاستثمار الخارجي.
وهذا يفسر أيضًا لماذا يصبح “امتلاك السلطة محليًا” مهمًا على نحو خاص في المرحلة الراهنة بالنسبة لبريطانيا. فمنذ سنوات، تتكرر في بريطانيا المناقشات حول التنمية الإقليمية وإعادة التوازن الصناعي وفجوة الإنتاجية، لكن ما يواصل دفع النمو فعليًا ليس عادةً الدعم لمرة واحدة، بل مدى قدرة المستوى المحلي على امتلاك قدرة أقوى على تجميع الموارد. فإذا كان العمدة والهيئات الاستراتيجية المحلية يملكون ميزانية الابتكار، فإنهم يكونون أكثر قدرة على إدماج البحث والتطوير والمهارات والأراضي والبنية التحتية واستقطاب الشركات ضمن خريطة صناعية واحدة، بما يخلق منطقًا استثماريًا أقرب إلى الواقع من المنطق الذي تتبناه الأجهزة المركزية.
وبطبيعة الحال، فإن اللامركزية لا تعني تلقائيًا تحسين الكفاءة. فلكي يتحول تمويل الابتكار المحلي فعلًا إلى نتائج اقتصادية، لا بد من توافر عدة شروط في آن واحد: أولًا، يجب أن تمتلك الحكومة المحلية القدرة على تحديد الفرص الصناعية وتقييم جودة المشاريع؛ ثانيًا، تحتاج الجامعات والشركات إلى آليات تعاون ناضجة بما يكفي؛ ثالثًا، ينبغي أن يتوافق توجيه الأموال مع التموضع الصناعي طويل الأجل للمنطقة، لا أن ينجر وراء أهداف سياسية قصيرة المدى. وإلا فإن ما يسمى “التحكم المحلي” لن يكون سوى شكل أكثر تشتتًا من الإدارة، من دون أن يفضي إلى زيادة حقيقية في الابتكار.
لكن من خلال اتجاه السياسات البريطانية، يتضح أن الحكومة تراهن بوضوح على نتيجة أخرى: فترك تحديد مسار التمويل لمن هم أقرب إلى أرض الواقع الصناعي قد يكون أكثر قدرة من الترتيب المركزي الموحد على رفع كفاءة الاستثمار في البحث والتطوير. ولا سيما في ظل ما تواجهه بريطانيا من ضعف في النمو، وفجوات إقليمية، ونقص في الوظائف عالية الجودة، فإن إضفاء الطابع المحلي على تمويل الابتكار يُتوقع أن يصبح أداة رئيسية تربط الاستراتيجية الصناعية بالانتعاش الاقتصادي الإقليمي.من الجدير بالذكر أن هذا الصندوق لا يقتصر فقط على التزامات قائمة بقيمة إجمالية تبلغ 500 مليون جنيه إسترليني موزعة على 17 منطقة، بل يأتي أيضًا مندمجًا ضمن الإطار الأوسع لإنفاق المملكة المتحدة على البحث والتطوير. وبعبارة أخرى، فإن الابتكار المحلي ليس مشروعًا معزولًا، بل جزء من منظومة البحث والتطوير الوطنية. والسؤال الجوهري في المستقبل لن يكون ما إذا كان ينبغي دعم الابتكار المحلي، بل كيف يمكن لهذه الأموال أن تُحدث تكاملًا بين مختلف المناطق: أيُّ المناطق الأنسب للبحث والتطوير في التقنيات العميقة، وأيها أكثر ملاءمةً لتسويق التكنولوجيا، وأيها قادرة على استيعاب التصنيع المتقدم، وأيها يمكن أن تصبح ساحات تطبيق للطاقة النظيفة وتقنيات الصحة.
وعلى المدى الأبعد، تعكس هذه الخطوة أن المملكة المتحدة تعيد تعريف الأساس الجغرافي لـ«النمو الصناعي». ففي الماضي، كان يُنظر إلى سياسات الابتكار غالبًا بوصفها امتدادًا لمنظومة وايتهول؛ أما الآن، فهي تبدو أكثر فأكثر كبنية تحتية للاقتصاد الإقليمي. فمعنى التمويل لا يقتصر على التحويلات المالية، بل يتمثل أيضًا في نسج المؤسسات البحثية وشبكات الشركات وقدرات الحوكمة المحلية ضمن منصات نمو جديدة.
إذا مضى هذا النموذج قدمًا بسلاسة، فقد لا يقتصر ما يثمر عنه على مزيد من المشاريع، بل قد يؤدي إلى إعادة تشكيلٍ مكاني لمنظومة الابتكار في المملكة المتحدة: فتصبح لندن ومانشستر وليفربول وليدز وغيرها ليست مجرد اقتصادات مدنية مستقلة، بل تجمعات ابتكار تتعاون فيما بينها ضمن تقسيم عمل قائم على اتجاهات صناعية متخصصة. وبالنسبة إلى القدرة التنافسية البريطانية، فإن أهمية هذا التحول تفوق بكثير قيمة أي منحة منفردة.
وفي وقتٍ أصبحت فيه المنافسة الصناعية العالمية تؤكد أكثر فأكثر على التحديث التكنولوجي، والتكتل الإقليمي، والمرونة الصناعية، تحاول المملكة المتحدة أن تجيب عبر إصلاحٍ في تمويل الابتكار المحلي عن سؤال أكبر: هل ينبغي أن يأتي النمو الوطني بقيادة المركز، أم أن ينشأ ذاتيًا من المنظومات الصناعية المحلية؟ ويبدو أن الخيار السياسي الحالي يميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني.
وصف SEO تخطط الحكومة البريطانية لمنح صلاحيات صندوق شراكات الابتكار المحلي إلى رؤساء البلديات الإقليميين، ليشمل مناطق مثل منطقة مدينة ليفربول، وغرب يوركشاير، ومانشستر الكبرى، ولندن الكبرى. وتحلل هذه المقالة، من زاوية الاستراتيجية الصناعية البريطانية، والنمو الإقليمي، والتصنيع المتقدم، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبناء منظومات الابتكار، التأثيرات طويلة الأمد لهذا التغيير على القدرة التنافسية البريطانية، والتجمعات الصناعية، وفرص العمل عالية الجودة.
المصدر المعلوماتي URL https://www.publicsectorexecutive.com/articles/mayors-take-control-local-innovation-fund-push-regional-growth
ملاحظة الاستخدام · ukindustrywire
تضع ukindustrywire هذه الملاحظة ضمن موجز الصناعة / التصنيع في المملكة المتحدة / الطاقة والبنية التحتية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص. موجز الصناعة / التصنيع في المملكة المتحدة / الطاقة والبنية التحتية يوضح الزاوية التحريرية المحلية: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.